محمود سامي البارودي

 

محمود سامي البارودي 

"ربُّ السيف والقلم"

*****************


عندما قرأت عنه أول مرة بشيء من التفصيل بهرت لروعة شعره والمعنى والحكمة الداخلة فيه رحمه الله، فهو يُعدُّ مِن أبرز شعراء العصر الحديث؛ إذ أحيا أساليب الشعر العربي القديم. فقد ظل الشعر العربي قبل البارودي في حالة من الضعف والوهن ردحًا من الزمن، كان صنعة لفظية تخلو من المعاني الصادقة، والأخيلة المبتكرة، فجاء البارودي وبث في الشعر روح الحياة، وأعاد له بعضًا من المجد القديم بفضل موهبته الفذة؛ فكان رائد مدرسة الإحياء والبعث .

فهو يعد باعث الشعر العربي الحديث؛ لأنه أعاد للشعر قوته وجزالته بعد فترة من الضعف، فاقتدى بالشعراء القدامى في اللغة والأسلوب، مع التعبير عن تجاربه الذاتية ومشاعره الصادقة.

ولد سنة 1839م في مصر، ونشأ في أسرة على شيء من الثراء والسلطان، فأبوه كان ضابطًا في الجيش المصري برتبة لواء؛ لذا تلقى البارودي تعليمه في المدارس العسكرية، بعد أن تلقى دروسه الأولى في بيته لتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم وشيء من الفقه.

وعمل في الجيش وتولّى مناصب سياسية مهمة، حتى أصبح رئيسًا للوزراء لفترة قصيرة؛ لذلك لقب بربُّ السيف والقلم، واشترك في أحداث الثورة العرابية؛ الأمر الذي أدى إلى نفيه إلى جزيرة سيلان (سريلانكا حاليًّا)، وبقي فيها سنوات طويلة، فكان فيها أجمل شعره، ثم عاد إلى مصر وتوفي سنة 1904م.

يمتاز شعر البارودي بقوة الألفاظ وجزالتها، والتأثر بالشعر العربي القديم، خاصة شعر العصر العباسي، كذلك صدق العاطفة والتعبير عن التجربة الشخصية، كما يشتمل على الحكمة والتأمل وتصوير الطبيعة والحنين إلى الوطن، كما يتنوع في الأغراض الشعرية من الفخر والاعتزاز بالنفس إلى الحماسة والوطنية والرثاء والغزل العفيف والحكمة والوصف.

أسس البارودي الاتجاه المعروف بمدرسة الإحياء والبعث، ومن أشهر الشعراء الذين ساروا على نهجه: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران.

وعلى الرغم من تأثره بالشعراء القدامى واتباعه نهجهم في الأغراض الشعرية، وطريقة تناول الموضوعات، والأسلوب والمعاني، فقد تميز بإضافات واضحة تمثلت في صدق التعبير عن مشاعره وأحاسيسه، إلى جانب ما ابتكره من معانٍ جديدة وصور فنية متميزة.

وقد نظم الشعر في مختلف أغراضه التقليدية، كالمدح والغزل والفخر والهجاء والرثاء، مقتفيًا أثر الشعر العربي القديم، إلا أن شخصيته الخاصة ظلت حاضرة في نتاجه الشعري؛ فبرز فيه الضابط المقدام، والثائر الرافض للظلم، والمغترب المشتاق إلى وطنه، والزوج العطوف، والأب الرحيم، والصديق المخلص.

وخلف ديوانًا شعريًا يضم أكثر من خمسة آلاف بيت، نُشر في أربعة مجلدات، كما نظم قصيدة مطولة عارض بها قصيدة البوصيري وسماها «كشف الغمة». ومن مؤلفاته النثرية كتاب (قيد الأوابد)، الذي دوّن فيه خواطره ورسائله بأسلوب مسجوع، إضافة إلى (مختارات البارودي)، وهي مجموعة شعرية انتقاها من أشعار ثلاثين شاعرًا من كبار شعراء العصر العباسي، وتضم ما يقارب أربعين ألف بيت.

توفي البارودي في 12 ديسمبر 1904 عن عمر يناهز 64 عاماً، وذلك بعد صراع مع المرض إثر عودته من منفاه.

ومن أجمل ما قال في الشعر :

سَرَى الْبَرْقُ مِصْرِيَّاً فَأَرَّقَنِي وَحْدِي

وَأَذْكَرَنِي ما لَسْتُ أَنْسَاهُ مِنْ عَهْدِ


فَيَا بَرْقُ حَدِّثْنِي وَأَنْتَ مُصَدَّقٌ

عَنِ الآلِ والأَصْحَابِ مَا فَعَلُوا بَعْدِي


وَعَنْ رَوْضَةِ الْمِقْيَاسِ تَجْرِي خِلالَها

جَدَاوِلُ يُسْدِيهَا الْغَمَامُ بِمَا يُسْدِي


إِذَا صَافَحَتْهَا الرِّيْحُ رَهْواً تَجَعَّدَتْ

حَبَائِكُهَا مِثْلَ الْمُقَدَّرَةِ السَّرْدِ


وَإِنْ ضَاحَكَتْهَا الشَّمْسُ رَفَّتْ كَأَنَّهَا

مَنَاصِلُ سُلَّتْ لِلضِّرَابِ مِنَ الْغِمْدِ


نَعِمْتُ بِهَا دَهْراً وَمَا كُلُّ نِعْمَةٍ

حَبَتْكَ بِهَا الأَيَّامُ إِلَّا إِلَى الرَّدِّ


فَوَا أَسَفَا إِذْ لَيْسَ يُجْدِي تَأَسُّفٌ

عَلَى مَا طَواهُ الدَّهْرُ مِنْ عَيْشِنَا الرَّغْدِ


إِذِ الدَّهْرُ سَمْحٌ وَاللَّيالِي سَمِيعَةٌ

وَلَمْيَاءُ لَمْ تُخْلِفْ بِلَيَّانِها وَعْدِي


فَتَاةٌ تُرِيكَ الشَّمْسَ تَحْتَ خِمَارِهَا

إِذَا سَفَرَتْ وَالْغُصْنَ فِي مَعْقِدِ الْبَنْدِ


مِنَ الفَاتِنَاتِ الْغِيدِ لَوْ مَرَّ ظِلُّهَا

عَلَى قَانِتٍ دَبَّتْ بِهِ سَوْرَةُ الْوَجْدِ


فَتَاللهِ أَنْسَى عَهْدَها ما تَرَنَّمَتْ

بَنَاتُ الضُّحَى بَيْنَ الأَرَاكَةِ والرَّنْدِ


حَلَفْتُ بِمَا وَارَى الْخِمَارُ مِنَ الْحَيَا

وَمَا ضَمَّتِ الأَرْدَانُ مِنْ حَسَبٍ عِدِّ


وبِاللُّؤْلُؤِ الْمَنْضُودِ بَيْنَ يَواقِتٍ

هِيَ الشَّهْدُ ظَنَّاً بَلْ أَلَذُّ مِنَ الشَّهْدِ


يَمِيناً لَوِ اسْتَسْقَيْتَ أَرْضاً بِهِ الْحَيَا

لَخَاضَ بِهَا الرُّعْيَانُ فِي كَلإٍ جَعْدِ


لأَنْتِ وَأَيُّ النَّاسِ أَنْتِ حَبِيبَةٌ

إِلَيَّ وَلَوْ عَذَّبْتِ قَلْبِيَ بِالصَّدِّ


إِلَيْكِ سَلَبْتُ الْعَيْنَ طِيبَ مَنَامِهَا

وفِيكِ رَعَيْتُ النَّجْمَ فِي أُفْقِهِ وَحْدِي


وَذَلَّلْتُ هَذِي النَّفْسَ بَعْدَ إِبائِها

وَلَوْلاكِ لَمْ تَسْمَحْ بِحَلٍّ وَلا عَقْدِ


فَحَتَّامَ تَجْزِينِي بِوُدِّيَ جَفْوَةً

أَمَا تَرْهَبِينَ اللهَ فِي حُرْمَةِ الْمَجْدِ


سَلِي عَنِّيَ اللَّيْلَ الطَّوِيلَ فَإِنَّهُ

خَبِيرٌ بِمَا أُخْفِيهِ شَوْقاً وَمَا أُبْدِي


هَلِ اكْتَحَلَتْ عَيْنَايَ إِلَّا بِمَدْمَعٍ

إِذَا ذَكَرَتْكِ النَّفْسُ سَالَ عَلَى خَدِّي


أُصَبِّرُ عَنْكِ النَّفْسَ وَهْيَ أَبِيَّةٌ

وَهَيْهَاتَ صَبْرُ الظَّامِئَاتِ عَنِ الْوِرْدِ


كَأَنِّي أُلاقِي مِنْ هَوَاكِ ابْنَ خِيسَةٍ

أَخَا فَتَكَاتٍ لا يُنَهْنَهُ بِالرَّدِّ


تَنَكَّبَ مُمْسَاهُ وَأَخْطَأَ صَيْدَهُ

فَأَقْعَى عَلَى غَيْظٍ مِنَ الْجُوعِ وَالْكَدِّ


لَهُ نَعَراتٌ بِالْفَلاةِ كَأَنَّها

عَلَى عُدَوَاءِ الدَّارِ جَلْجَلَةُ الرَّعْدِ


يُمَزِّقُ أَسْتَارَ الظَّلامِ بِأَعْيُنٍ

تَطِيرُ شَراراً كَالسُّقَاطِ مِنَ الزَّنْدِ


كَأَنَّهُمَا مَاوِيَّتَانِ أُدِيرَتَا

إِلَى الشَّمْسِ فَانْبَثَّا شُعَاعاً مِنَ الْوَقْدِ


فَهَذَا الَّذِي أَلْقَاهُ مِنْكَ عَلَى النَّوَى

فَرَاخِي وَثَاقِي يَا بْنَةَ القَوْمِ أَوْ شُدِّي

************


لَيْسَ الصَّدِيقُ الَّذِي تَعْلُو مَنَاسِبُهُ

بَلِ الصَّدِيقُ الَّذِي تَزْكُو شَمَائِلُهُ


إِنْ رَابَكَ الدَّهْرُ لَمْ تَفْشَلْ عَزَائِمُهُ

أَوْ نَابَكَ الْهَمُّ لَمْ تَفْتُرْ وَسَائِلُهُ


يَرْعَاكَ فِي حَالَتَيْ بُعْدٍ وَمَقْرَبَةٍ

وَلا تُغِبُّكَ مِنْ خَيْرٍ فَوَاضِلُهُ


لا كَالَّذِي يَدَّعِي وُدّاً وَبَاطِنُهُ

بِجَمْرِ أَحْقَادِهِ تَغْلِي مَرَاجِلُهُ


يَذُمُّ فِعْلَ أَخِيهِ مُظْهِراً أَسَفاً

لِيُوهِمَ النَّاسَ أَنَّ الْحُزْنَ شَامِلُهُ


وَذَاكَ مِنْهُ عِدَاءٌ فِي مُجَامَلَةٍ

فَاحْذَرْهُ وَاعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَاذِلُهُ

*********


صِلَةُ الْخَيَالِ عَلَى الْبِعَادِ لِقَاءُ

لَوْ كانَ يَمْلِكُ عَيْنِيَ الإِغْفَاءُ


يا هاجِري مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ في الْهَوَى

مَهْلاً فَهَجْرُكَ والْمَنُونُ سَواءُ


أَغْرَيْتَ لَحْظَكَ بالْفُؤادِ فَشَفَّهُ

ومِنَ الْعُيُونِ عَلَى النُّفُوسِ بَلاءُ


هِيَ نَظْرَةٌ فامْنُنْ عَلَي بِأُخْتِها

فالْخَمْرُ مِنْ أَلَمِ الْخُمارِ شِفَاءُ


أَنا مِنْكَ مَطْوِيُّ الْفُؤادِ عَلَى جَوىً

لَوْلا الْدُّمُوعُ ذَكَتْ بِهِ الْحَوْبَاءُ


لا أَنْتَ تَرْحَمُنِي ولا نَارُ الْهَوَى

تَخْبُو وَلاَ للنَّفْسِ عَنْكَ عَزاءُ


فانْظُرْ إِلَيَّ تَجِدْ خَيَالَةَ صُورَةٍ

لم يَبْقَ فيها للحياةِ ذَمَاءُ


رَقَّتْ لِيَ الْوَرْقَاءُ في عَذَباتِها

وبَكَتْ عَلَيَّ بِدَمْعِهَا الأَنْدَاءُ


وَتَحَدَّثَتْ رُسُلُ النَّسِيمِ بلَوْعَتِي

فَلِكُلِّ غُصْنٍ نَحْوَها إِصْغَاءُ


كَلَفٌ تَنَاقَلَهُ الْحَمامُ عَنِ الصَّبَا

فصَبَتْ إِلَيْهِ الْغِيدُ والشُّعَراءُ


فَبِقَلْبِ كُلِّ فَتىً غَرامٌ كامِنٌ

وبِعِطْفِ كُلِّ مَلِيحَةٍ خُيَلاءُ


فَدَعِ التَّكَهُّنَ يا طَبِيبُ فإِنَّمَا

دائِي الْهَوَى ولِكُلِّ نَفْسٍ داءُ


أَلَمُ الصَّبَابَةِ لَذَّةٌ تَحْيَا بِها

نَفْسِي وَدَائِي لَوْ عَلِمْتَ دَواءُ


وبِمُهْجَتِي رَشَئِيَّةٌ مِنْ دُونِها

أُسُدٌ لَهَا قَصَبُ الرِّمَاحِ أَبَاءُ


هَيْفَاءُ مالَ بِهَا النَّعيمُ فَخَطْوُها

دُونَ الْقَطاةِ ونُطْقُها إِيمَاءُ


تَرْنُو بِأَحْوَرَ لَوْ تَمَكَّنَ لَحْظُهُ

مِنْ صَخْرَةٍ لَارْفَضَّ مِنها الماءُ


حَكَمَ الجَمالُ لها بِمَا تَخْتَارُهُ

فَتَحَكَّمَتْ في النَّاسِ كَيفَ تَشاءُ


غَضِبَتْ عَلَيَّ وَما جَنَيتُ وَرُبَّما

حَمَلَ الْمَشُوقُ الذَّنْبَ وَهوَ بَراءُ


طافَ الوُشاةُ بِها فَكانَ لِقَوْلِهِمْ

في مِسْمَعَيْها رَنَّةٌ وحُداءُ


لَوْلا النَّمِيمَةُ لم يَقَعْ بَيْنَ امْرِئٍ

وأَخِيهِ مِنْ بَعْدِ الْوِدادِ عِداءُ


أَشَقِيقَةَ الْقَمَرَيْنِ أَيُّ وَسِيلَةٍ

تُدْنِي إِلَيكِ فَلَيْس لِي شُفَعَاءُ


جُودِي عَلَيَّ ولَوْ بِوَعْدٍ كاذِبٍ

فالْوَعْدُ فيهِ تَعِلَّةٌ ورَجَاءُ


وَثِقِي بِكِتْمَانِ الْحَدِيثِ فإِنَّمَا

شَفَتاي خَتْمٌ والْفُؤادُ وِعاءُ


لا تَرْهَبِي قَوْلَ الْوُشاةِ فإِنَّهُمْ

قَدْ أَحْسَنُوا في الْقَوْلِ حِينَ أَساءُوا


زَعَمُوكِ شَمْسَاً لا تَلُوحُ بظُلْمَةٍ

ولِقَولِهِمْ عِنْدِي يَدٌ بَيْضاءُ


فَعَلامَ تَخْشَيْنَ الزِّيارَةَ بعدَما

أَمِنَ ازْدِيارَكِ في الدُّجَى الرُّقَباءُ


هِيَ زَلَّةٌ في الرأْيِ مِنْهُمْ أَعْقَبَتْ

نَفْعَاً كَذَلِكَ تَفْعَلُ الْجُهَلاءُ


كَيْدُ الْغَبِيِّ مَساءَةٌ لِضَمِيرِهِ

وَلِمَنْ يُحَاوِلُ كَيْدَهُ إِرْضَاءُ


والناسُ أَشْبَاهٌ ولَكِنْ فَرَّقَتْ

ما بَيْنَهُمْ في الرُّتْبَةِ الآراءُ


وَالنَّفْسُ إِنْ صَلَحَتْ زَكَتْ وَإِذَا خَلَتْ

مِنْ فِطْنَةٍ لَعِبَتْ بها الأَهْوَاءُ


لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرِّجالِ تَفَاوُتٌ

ما كانَ فيهِمْ سادَةٌ ورِعاءُ


وَلَقَدْ بَلَوْتُ النّاسَ في أَطْوارِهِمْ

ومَلِلْتُ حتَّى مَلَّني الإِبْلاءُ


فَإِذا المَوَدَّةُ خَلَّةٌ مَكْذُوبَةٌ

بَيْنَ الْبَرِيَّةِ والوَفاءُ رِياءُ


كَيْفَ الْوثُوقُ بِذِمَّةٍ مِنْ صاحِبٍ

وَبِكُلِّ قَلْبٍ نُقْطَةٌ سَوْداءُ


لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا وِدَادٌ صَادِقٌ

مَا حَالَ بَيْنَ الخُلَّتَيْنِ جَفاءُ


فانْفُضْ يَدَيْكَ مِنَ الزَّمانِ وأَهْلِهِ

فالسَّعْيُ في طَلَبِ الصَّديِقِ هَبَاءُ

.

نفعنا الله وإياكم

.

د/ منال

منال

وما قلبي عليه ألوم أن يهوى طبائعه ولكني ألوم هواي لا يشبعنْ جائعه على أني لأشبعه بنزف الحرف من دمي ومكويٌ مدامعه

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال